الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي

53

معجم المحاسن والمساوئ

وإنّما سمّي هذا جميعه دعاء لأنّ الإنسان يصدّر في هذه الأشياء بقوله يا اللّه يا ربّ يا رحمان ، فلذلك سمّي دعاء ) . « الوجه الثالث » إنّ السائل من حضرته سبحانه وتعالى إذا سأل شيئا كان جاهلا بمضرّته له بحيث لو علم به لأبغضه وإنّما كان يسأله بزعم كونه مفيدا له مؤدّيا إلى ما يحبّه ويرضى به ، فلو كان في الواقع والحقيقة مؤدّيا إلى ما يبغضه لم يرض به ، وكان في مرتكز قلبه وضميره سائلا عدمه ، كان مقتضى رحمة اللّه سبحانه وتعالى أن يستجيب ما هو سائله في مرتكز ضميره دون ما يحترز عنه في مرتكز خاطره وإنّما يسأله بلسانه غفلة عن مضرّته . وبعبارة أخرى إنّ السائل من اللّه تعالى إنّما يسأل خيره وصلاحه والإنسان بحسب ارتكازه لا يسأل ما هو شرّ له ومضرّ بحاله ، وإنّما يسأل ما هو شرّ له من باب الاشتباه زعما منه أنّه مصداق للخير والصلاح ، فينبغي للمستجيب لسؤاله إذا كان عارفا بكونه شرّا له ومضرّا بحاله أن يخلّصه منه ويمنع عن وقوعه . « الوجه الرابع » إنّ داعي اللّه سبحانه وتعالى بالحقيقة إنّما يدعو الرحمن الرحيم الحكيم الخبير الّذي لا يظلم مثقال ذرّة في السماوات والأرض ، ومن كان عارفا به لا يدعوه ليظلم أحدا أو يفعل أمرا على خلاف الحكمة ، فمن دعاه لذلك فلم يكن يدعو اللّه تعالى في الحقيقة ، وإنّما وعد اللّه سبحانه وتعالى بالاستجابة لمن دعاه . فإن قلت : إنّ الحكيم سبحانه وتعالى لا يفعل خلاف مقتضى الحكمة ، فما اشتمل على خلاف المصلحة لا يفعله مع الدعاء ، وما اشتمل على المصلحة فإنّه يفعله ، وإن لم يسأل فما فائدة السؤال منه ؟ قلت : لا يمتنع أن يكون ما سأله إنّما صار مصلحة بعد سؤاله منه تعالى ، ولا يكون مصلحة قبل السؤال منه .